اسماعيل بن محمد القونوي

394

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

بملاحظة أن كونهم عاملين بأنواع المبرات لخوفهم من عقاب ذلك اليوم فيرجع إلى الأولين فالأولى تركه . قوله : ( أحسن جزاء ما عملوا الموعود لهم من الجنة ) قدره مضافا لأنه يلائم قوله تعالى : وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ [ النور : 38 ] لأنها للجزاء لا لنفس الأعمال والمعنى ليجزيهم قوله : أحسن جزاء ما عملوا أي أحسن جزاء أعمالهم كقوله تعالى : لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى [ يونس : 26 ] والمعنى يسبحون ويخافون ليجزيهم ثوابهم مضاعفا ويزيدهم على الثواب تفضلا وعطاء اللّه عز وجل إما تفضل وإما ثواب وإما عوض فالتفضل هو إيصال منفعة خالصة إلى الغير من غير استحقاق والثواب هو الجزاء على أعمال الخير والعوض هو البدل من الفائت كالسلامة بدل الألم والنعم بدل البلايا والمحن والتفضيل يكون بغير حساب وأما الثواب فله حساب لكونه على حسب الاستحقاق قوله تقرير للزيادة وتنبيه على كمال القدرة ونفاذ المشيئة وسعة الإحسان أي قوله عز من قائل : وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ [ النور : 38 ] تقرير لما دل عليه قوله : وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ [ النور : 38 ] من معنى الزيادة وتنبيه على كمال قدرة اللّه ونفاذ مشيئته وسعة إحسانه لأن الترزيق لمن يشاء بغير حساب أثر من آثار هذه الأمور الثلاثة فإن فاقدها ليس من شأنه ذلك قوله : وَالَّذِينَ كَفَرُوا [ النور : 39 ] حالهم على ضد ذلك أي على ضد حال المؤمنين فإنهم يجازون على أعمالهم الجزاء الأحسن ويجدون عند اللّه ثمرة أعمالهم الصالحة والكفرة يجدون ما حسبوه من الأعمال صالحا ونافعا لهم لغوا مخيبا في العاقبة شبه ما يعمله الكفرة من الأعمال التي يحسبونها أعمالا صالحة نافعة لهم عند اللّه منجية من عذابه ثم يؤول عاقبتها إلى الخيبة ويجدون الأمر على عكس ما قدروه بسراب يراه الكافر بقيعة وقد غلبه عطش يوم القيامة فيحسبه ماء فيأتيه يشرب منه ويتشفى من عطشه ذلك فإذا زبانية العذاب عنده يبطشونه ويقيدونه فيسوقونه إلى جهنم ويسقونه الحميم والغساق وهم الذين قال اللّه فيهم وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً [ الفرقان : 23 ] قوله كديمات في ديمة أي في جمع ديمة وهي المطر الذي ليس فيه رعد ولا برق وأقله ما يمطر ثلث النهار أو ثلث الليل وأكثره ما بلغ من العدة والجمع ديم وديمات قوله وتخصيصه لتشبيه الكافر به في شدة الخيبة عند مسيس الحاجة أي تخصيص الظمآن إذ قد يظنه غير الظمآن ماء لتشبيه الكافر به أي بذلك الظمآن في شدة الخيبة عند الاحتياج إما لخيبة فلعدم وجود ما يحسبه وإما شدتها فلمصادفة العذاب بدل ما يتوقعون منه الثواب أغلظ وأشد وبدا لهم من اللّه ما لم يكونوا يحتسبون فسر صاحب الكشاف الظمآن بالكافر الظمآن وقيده به لأن قوله تعالى : وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسابَهُ [ النور : 39 ] من تتمة أحوال المشبه به والأولى أن يكون هذا التشبيه من التشبيهات المركبة وهذا الأسلوب أبلغ لأن خيبة الكافر ادخل وحصوله على خلاف ما يأمله أعرق ونحوه في التشبيه قوله تعالى : مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ فِي هذِهِ الْحَياةِ الدنيا كمثل ريح فيها صر أصابت حرث قوم ظلموا [ آل عمران : 117 ] فإن الظالمين من الكافرين هم الذين يذهب حرثهم بالكلية بخلاف مطلق الحرث والآية من القواطع الدالة على بطلان مذهب الفلاسفة ومن يحذو حذوهم ممن يريد الهداية من غير متابعة نبي فإنه يتوهم أن ما هو عليه من متابعة مجرد الوهم هو الحق البحت فإذا تبين له في الخاتمة بطلانه ووجد اللّه عنده يعرف حينئذ افرس عنده أم حمار قوله عقابه أو زبانيته هذا على حذف المضاف وقوله أو وجده محاسبا إياه على ظاهره بلا تقدير مضاف .